حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )

114

شاهنامه ( الشاهنامه )

على الطريق . فتجاوز الجبال السبعة ، ووصل إلى قرب المغارة . فأقبل على أولاذ وقال : لقد صدقتني في جميع ما استخبرتك عنه . فالآن دلني على هذا الجنى . فقال : إن الجن إذا حميت الشمس ناموا فلا يبقى على باب المغارة إلا قليل من الحراس فتهجم عليه في ذلك الوقت وتأخذه . قال : فلبث قليلا حتى ارتفعت الشمس . ولما كان وقت الضحى شدّ وثاق أولاذ وربطه ببعض الأشجار ، وركب وتقحم غمرات أرصاد الشياطين يضرب رقابهم يمينا وشمالا حتى وصل إلى باب المغارة فوجدها محشوة بالظلمات . فاقتحمها برخشه فحجبت الظلمة نظره . فمسح بالماء عينه ، وهبط في المغارة يطلب مستقر سريره حتى وصل اليه . فرأى وجها كالليل البهيم يتلهب كالجحيم ، وشعرا أبيض قد تشعث على رأسه . فلما رأى رستم وثب اليه فرفع رستم سيفه وضربه ضربة طير بها رجله . فتعلق مع جرمه برستم يتقارعان ويتقاتلان . فغلبه رستم ورماه إلى الأرض قتيلا ، وسل خنجرا من وسطه وشق عن خاصرته ، واستخرج كبده . قال : فامتلأت تلك المغارة بدمه ، وانسد الطريق لعظم قالبه وجثته . وخرج رستم مظفرا منصورا وجاء إلى أولاذ ، وحل رباطه ودفع اليه كبد الجنى . وقدّمه بين يديه وهو يسير وارءه . فقال له أولاذ : أيها الأسد والمقدام إنك قد سخرت عالما من العوالم بسيفك ، وأدركت ما شئت ببأسك . وقد وعدتني بشيء يتقاضاه رجائي . ولا يليق بمثلك نقض العهد وإخلاف الوعد . فإنك المتوفر على رعاية الذمم والمنتمى إلى شجرة الوفاء والكرم . فقال : سأسلم إليك جميع ممالك مازندران . ولكن بقي أن أملك ناصية ملكها وأفنى أصحابه وأبدّد جمعه . ثم لا أحيد عما عاهدتك عليه إلا أن أموت فيواريني التراب . قال : فلما عاد رستم إلى حضرة الملك كيكاوس . قال : أبشر أيها الملك بهلاك عدوّك . فانى قد قتلته واستخرجت من خاصرته كبده . فشكره الملك وأثنى عليه وعلى من نَجله . ثم اكتحل الملك بقطرات من دم الكبد فعاد بصره . وجئ بتخت من العاج وتاج من الذهب ، فاعتصب وجلس على التخت . ولبث مع رستم وسائر الملوك والأمراء مثل طوس وقريبُرز وجوذَرز وجيْو وبهرام وجُرجين أسبوعا يتراضعون السرور والطرب . ثم ركبوا في اليوم الثامن أجمعين ، واستلوا أسيافهم ، وانتشروا في مدينة مازندران ، ووقعوا فيها وقوع النار في القصباء يحرقون الديار ، ويقتلون الرجال ، وينهبون الأموال . ثم قال كيكاوس لعسكره : لقد مكنا منهم يد الانتقام وجزيناهم بسوء صنيعهم صاعا بصاع . والآن نكف عنهم يد القتل ، ونردّ عنهم عادية النهب ، ونرسل إلى ملكهم ونوقظه من سنة غفلته ، ونخوّفه وخامة عاقبة غرته . فوافقه رستم على ذلك .